تحليلات وآراء

كل شىء فى أفريقيا كان قريبا من مصر والعرب منذ أربعين عاما، فنصف العرب أفارقة مثلهم، الإسلام انتشر بين الأفريقيين منذ عصور الإسلام الأولى، التصوف العربى الأصيل له ظهير أفريقى قوى، المسيحية أقوى ديانات أفريقيا، والوثنية فيها عارض زائل، الأزهرى كان يعامل فى أفريقيا وكأنه صحابى جليل، الراهب والقس المصرى كانت له مكانة كبيرة فى الكنائس الأفريقية، كان الجراحون المصريون علموا عشرات الأطباء الأفريقيين وكانت لهم جراحات دورية كبرى فى أفريقيا، وكانت البعثات الطبية المصرية لها أطيب سمعة فى أفريقيا.

• أما الشركات المصرية الكبرى فكان لها دور كبير فى بناء وتعمير مدن أفريقيا، منها شركة عثمان أحمد عثمان ومساهمة البحيرة التى بيعت بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيها من الزاهدين، وكان مهندسو الرى المصريون من أوائل من علموا أفريقيا هندسة الرى.

• وبعد انحسار الدور المصرى والعربى من أفريقيا فى منتصف عهد مبارك ضاعت أفريقيا من مصر والعرب، وحل محلهم آخرون من بينهم أمريكا والصين وإيران وتركيا وآخرهم إسرائيل التى دخلت أفريقيا بقوة منذ السبعينيات ودشنت اليوم على يد نتنياهو ثمرة جهودها الطويلة فى أفريقيا.

• لقد استقبل نتنياهو ــ المكروه شعبيا فى وطنه وبين جيرانه ــ استقبال الفاتحين فى سبع دول أفريقية منها كينيا وإثيوبيا وأوغندا ورواندا والكونغو، وخطب فى البرلمان الإثيوبى وركز فى زيارته على دول حوض النيل، واستصحب معه قرابة 200 رجل أعمال إسرائيلى، 80 شركة إسرائيلية كبرى، وكأنه يقول للجميع: «ما بناه عبدالناصر والسادات فى أفريقيا هدمه مبارك، وحصدت الآن ثمرة حلول إسرائيل مكان العرب ومصر فى أفريقيا»، أو كأنه يقول للعرب: «لن تدخلوا أفريقيا بعد اليوم إلا بإذنى ».

• لقد كان عبدالناصر يتابع الملف الأفريقى والآسيوى بنفسه، وكان كل أفريقى يعرفه شخصيا، ويشعر أنه جاء ليحرره من ربقة الاستعمار أو ليساعده فى التعليم أو يعاونه فى إجراء جراحة، أو يستقدم ابنه ليصبح ضابطا.

• الآن نتنياهو يقدم نفسه وبلده لأفريقيا قائلا: إذا أردتم الاقتراب من أمريكا أو أوربا أو حتى روسيا فأنا بابكم الأسهل والأقرب إليها، إذا أردتم السلاح نعطيكم ما تريدون دون شروط، إذا أردتم الزراعة فنحن نصدر حاصلات زراعية أضعاف صادرات العرب الزراعية مجتمعين، أو كأنه يقول لهم: «كل ما تريدونه موجود لدينا، أعطونا فقط فى مقابل ذلك كله أنبوبا ضخما من النيل إلى إسرائيل مباشرة».

• المعادلة الإسرائيلية الآن تقول: «النيل مقابل السلام، وليس الأرض مقابل السلام أو حتى السلام مقابل السلام».

• نتنياهو يعدهم بالسمن والعسل والاستثمارات الضخمة من كل الشركات اليهودية فى العالم كله مقابل شراكة إثيوبيا وحوض النيل فى إدارة مياه النيل.

• إسرائيل الدولة الآسيوية أصبحت عضوا فى الاتحاد الأفريقى على وجه الجزم واليقين.

• كل ذلك فعلته إسرائيل،ف ى الوقت الذى قدم العرب أنفسهم فى السنوات الأخيرة لأفريقيا وغيرها أنهم بلاد الصراعات الطائفية والعرقية والمذهبية، بلاد التكفير والتفجير والمذابح، حتى المساجد والكنائس لا تستثنى من التفجيرات والحرائق، بلاد لديها أعظم الأنهار وتستورد القمح، بلاد تغمرها دماء الصراعات السياسية والمذهبية، وتمتلئ السجون السياسية فيها عن آخرها، واللاجئون العرب يمثلون الأغلبية فى العالم، حتى القضية الفلسطينية تخلى عنها العرب فقالت أفريقيا بلسان حالها: «وهل نهتم بقضية تخلى عنها أصحابها وهجروها ليصارع ويصرع ويسجن بعضهم بعضا، حتى اللحظات الخالدة فى دنيا العرب أضاعتها هذه الأيام الحالكة».

• كان معظم قادة الجيوش الأفريقية من طلاب الكليات الحربية والقادة والأركان وناصر العليا المصرية، ولكنهم منذ فترة يمموا شطرهم إلى بلاد أخرى، كان بعض رؤساء الأركان الأفارقة ممن تعلموا العسكرية فى مصر ولكنهم الآن يدرسونها فى أماكن أخرى.

• كان بعض الرؤساء والوزراء الأفارقة من خريجى جامعتى الأزهر والقاهرة، كان معظم الإعلاميين والصحفيين ممن تعلموا أو هربوا إلى مصر، والآن لا شىء من ذلك يحدث، حتى الشيوخ العظام أمثال عبدالباسط والمنشاوى وغيرهما الذين عشقتهم أفريقيا لا بديل لهم الآن يذهب إلى أفريقيا.

• الصورة الذهنية لإسرائيل المحتلة الطاغية الباغية التى تحتل البلاد وتعيث فسادا اندثرت الآن عند الأفارقة، والصورة الذهنية الجميلة للعرب المدافعين عن حريات الشعوب ضد الاستعمار ضاعت وحلت محلها صورة داعش والحشد الشعبى والحوثيين والصراعات والتخلف الحضارى العربى.• الصورة الذهنية للبلاد هى القوة الناعمة العظمى التى تمهد إما لخيرها أو شرها لنفعها أو ضرها.

• الذئب سيحمى الغنم، نتنياهو سيحمى نهر النيل وسيديره، يا لها من مفارقة عجيبة صنعها ضعف العرب والمسلمين، وتمزقهم، وليس ذكاء نتنياهو.

• بعض العرب أقرب إلى إسرائيل اليوم منه إلى أشقائه العرب أو المسلمين، هناك بلاد تأمن نتنياهو أكثر من إيران وتركيا وباكستان ومصر.

• أين الأزهر والكنيسة من أفريقيا، أين الجامعات العربية النائمة والفاشلة، أين كليات الطب والهندسة والتمريض من أفريقيا، أين الشركات العربية والمصرية العملاقة فى كل المجالات، أين السلع العربية والمصرية من أفريقيا، أين الدعاة إلى الله من أفريقيا، هل فكر أحد فى عمل فيلم حتى عن تاريخ أفريقيا أو كفاحها، أو عن نيلسون مانديلا، أين نشاط علماء التصوف الحق البعيد عن البدع والخرافات من أفريقيا.

• أى قرية أفريقية تحتاج إلى عدة آبار مياه ومدرسة ومستشفى ميدانى وعدة أطباء ومدرسيين ودعاة صادقين وكل ذلك لا يكلف ثمن سهرة حمراء من بعض أثرياء العرب مع راقصة شهيرة.

• وداعا للعرب إن لم يفيقوا، وهنيئا لإسرائيل موات العرب والمسلمين.

تعليقات الفيسبوك

التصميم والتطوير بواسطة WhaleSys